حقوق الإنسان في حياتناحقوق الإنسان للأسرة والمجتمع

قراءة في نظرية التفاعلية الرمزية(1)

أهمية الرموز والمعاني ورؤيتها لطبيعة الإنسان والمجتمع

بماذا تهتم نظرية التفاعلية الرمزية؟

تهتم نظرية التفاعلية الرمزية بتحليل الأنساق الاجتماعية الصغرى,فهي تدرس الأفراد في المجتمع ومفهومهم عن المواقف, والمعاني, والأدوار, وأنماط التفاعل وغير ذلك من الوحدات الاجتماعية الصغرى.

أولاً: أهمية الرموز والمعاني في التفاعلية الرمزية:

يدور فكر التفاعلية الرمزية حول مفهومين أساسيين هما: الرموز Symbols والمعاني Meaning في ضوء صورة معينة للمجتمع المتفاعل.وتشير التفاعلية الرمزية إلى معنى الرموز على اعتبار أنها القدرة التي تمتلكها الكائنات الإنسانية للتعبير عن الأفكار باستخدام الرموز في تعاملاتهم مع بعضهم البعض ونجد أن استخدام الرموز أمر قائم في كل من التجمعات البشرية-مثل تجمعات النمل والنحل- والتجمعات البشرية إلا أن التعامل بالرموز في التجمعات البشرية التي تستخدم الرموز للتعبير عن شيء له دلالة اجتماعية, وتهتم التفاعلية الرمزية بالطريقة التي يختار بها المشاركون في عملية التفاعل الاجتماعي لمعاني الرموز, ويتفقون على هذه المعاني, ويشير مفهوم الرموز إلى الأشياء التي ترمز إلى شيء آخر أول يكون لها معاني أعمق من الجانب السطحي للرمز ويتم تحديد معنى الرموز عن طريق الاتفاق بين أعضاء الجماعة, إذ يتعلم الأطفال التمييز بين كلمة رجل الشرطة وسائق الباص ولاعب كرة القدم عن طريق نوعية الملابس التي يرتدونها, وقد ينظر أحد أفراد مجتمع آخر لهذه الملابس على اعتبار أنها مجرد ملابس فقط, ونجد أن هؤلاء الذين تعلموا ما ترمز إليه هذه الملابس وبالتالي يمكنهم التفاعل بسهولة مع كل منهم, وتعد اللغة Language مبدأ أهم مجموعة رموز اللازمة للتفاعل الاجتماعي ونجد أن الكلمات Words  ليس لها معاني حقيقية في حد ذاتها, بدليل أننا لا نفهم المعاني التي يقصدها أحد المتحدثين بلغة غير مألوفة.

وتكتسب الكلمات المعاني التي يقول الناس أنهم يقصدونها من هذه الكلمات, وتعد عملية الاتصال من خلال اللغة أحد أشكال التفاعلية الرمزية, ويعد استخدام الرموز ثورة في قدرة الإنسان على التواصل مع غيره من أفراد المجتمع, ووسيلة لزيادة المقدرة على ثقل المشاعر والميول والاتجاهات بين أعضاء المجتمع. كما يهتم منظور التفاعلية الرمزية بالمعاني التي يعطيها الناس لسلوكهم وسلوك الآخرين في المجتمع, إذ أن الكائنات البشرية فريدة من حيث  أفعالها ولها معاني تتجاوز حدود الفعل المحسوس, وينظر أنصار التفاعلية الرمزية إلى أفراد المجتمع على اعتبار أنهم مخلوقات تحاول بناء الحقيقة ومعرفة معاني الأشياء أو الموضوعات أو الأحداث التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية فالمعاني من وجهة نظر التفاعلية الرمزية ليست أشياء موروثة وكامنة في ذات الأشياء ولكنها تعبر عن إحساس أولي للشعور الإنساني نحو الأشياء, وهذا الشعور هو الذي يعبر عن المعاني التي ترمز إليها الأشياء. ويرى التفاعليون أن الناس هم الذين يضعون الحقائق الاجتماعية لتفسر ما يحدث في العالم الذي يعيشون فيه وفي هذا الصدد, يرى الفيلسوف الاجتماعي الفريد شوكز, أن الناس يستمدون الحقائق من خبرة الحياة اليومية التي يعيشونها عن طريق النشاط العقلي, وذلك على اعتبار ، هذه الحقائق تعد من صنع العقل البشري.

ثانياً:  رؤية التفاعلية الرمزية لطبيعة الإنسان والواقع الاجتماعي:

تشير بعض الافتراضات الرئيسية التفاعلية الرمزية إلى أن الإنسان قادر على تحسين ذاته كما تؤكد بعض هذه الافتراضات أن الإنسان يقوم بصياغة وتشكيل الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه من خلال عملية التفاعل الاجتماعي وعن طريق استخدام الرموز مثل اللغة وعن طريق عمليات التفاعل الرمزية يتم تكوين البناء الاجتماعي والحفاظ عليه, أو تغيره وليس من الممكن فهم أنماط التنظيم الاجتماعي, حتى تلك التنظيمات المعقدة, بدون معرفة العمليات الرمزية بين الأفراد الذين يشكلون في النهاية هذه الأنماط. كما تذهب التفاعلية الرمزية إلى أن ظواهر المجتمع ليس لها وجود خارج نطاق وعي الأفراد أو مداركهم ويتضح مما سبق أن التفاعلية الرمزية تتضمن بعض القضايا الرئيسية التي تكشف عن قدرة الإنسان على تحسين ذاته وبناء شخصيته, بالإضافة إلى قدرته على تشكيل وصياغة وتغيير الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه من خلال عملية التفاعل بين الأشخاص والجماعات داخل المجتمع, وترى التفاعلية الرمزية أن المجتمع نسق متفاعل, ولا يمكن أن يوجد شيء في المجتمع خارج إطار التفاعل, أي أن المجتمع كيان متجدد باستمرار بين كل لحظة وأخرى, ونجد أن التفاعل بين الفرد والمجتمع هو الذي يحدد هوية كل الفرد والمجتمع في نفس الوقت بحيث يصبح الفرد والمجتمع كيان واحد له شخصيته المميزة.

ثالثاً: إسهام بعض العلماء في تطور التفاعلية الرمزية:

يعد تشارلز كولي, جورج هربرت هيد وهربرت بلومر من أبرز ممثلي متطور التفاعلية الرمزية, ويعتبر كولي وميد من بين أهم رواد التفاعلية في الولايات المتحدة فقد قام كل منهما بدارسة المجتمع على اعتبار أنه نتائج التفاعلية بين الناس الذين تعلموا تفسير مجموعة متنوعة من الرموز, كما قام كل منهما بدراسة العملية التي عن طريقها يقوم الناس بتطوير تصوراتهم عن أنفسهم أو المفاهيم الذاتية من خلال تفاعلاتهم مع بعضهم البعض, وقد ذهب كل منهما إلى أن المفهوم الذاتي للشخص يعد نتاجاً للطريقة التي يتعامل بها هذا الشخص من قبل الأشخاص الآخرين, ونتيجته لكيفية تفسير هذا الشخص لمعاملة الآخرين له, ومن ثم فإن الطفل الذي يتعامل معه الآباء والمدرسين والأصدقاء على اعتبار أنه صانع للمشكلات فمن المحتمل أن يرى هذا الطفل نفسه على اعتبار أنه صانع للمشكلات ويعد الفيلسوف الأمريكي جورج هربرت ميد أول من قام بتقديم متطور التفاعلية الرمزية إلى عالم الاجتماع الأمريكي خلال 1920 وقد لعب ميد دوراً هاماً في نمو وتطوير التفاعلية الرمزية, ويرى أن مقدرة الكائنات البشرية على استخدام الرموز هي التي تميز الإنسان عن الحيوان, وتسمح بتكوين النظم الاجتماعية, والمجتمعات والثقافات. ويرى ميد أن الناس لا يتصرفون أو يستجيبون بشكل آلي, بل أنهم يعطون المعاني لأفعالهم, فهم يأخذون بالاعتبار ما يعتقده الأشخاص الآخرون والموقف الذي يجدون أنفسهم فيه, ونجد أن التوقعات ورد فعل الأشخاص الآخرين تؤثر بشدة في كل تصرف فردي بالإضافة إلى أن الناس يعطون الأشياء معاني ويتصرفون ويستجيبون على أساس هذه المعاني, وعلى سبيل المثال, عندما يرفع العلم فإن الناس سيقفون لأنهم ينظرون إلى العلم كممثل لوطنهم.

كما يعد هربرت بلومر من بين أهم ممثلي التفاعلية الرمزية المعاصرين, وينظر بلومر إلى المجتمع على اعتبار أنه نتاج للتفاعل الاجتماعي, ويتم خلقه بطريقة متطورة ومستمرة, أرى أن الناس يقومون باستمرار بإعادة تعريف الموقف الاجتماعي من خلال تفاعلاتهم مع بعضهم البعض, وقد قام بلومر بتطبيق مدخل التفاعلية الرمزية في دراسة أشكال السلوك الجمعي مثل دراسة الحشد ويرى بلومر أن المشكلات الاجتماعية يتم الإشارة إليها غالباً على اعتبار أنها نتاج للتعريف الجمعي الذي يظهر من خلال عملية التفاعل الاجتماعي أكثر مما ينظر إليها على اعتبار أنها نتاج للتعريف الجمعي الذي يظهر موضوعية مثل الفقر, ويرتكز التفاعل الرمزي كما يعرفه هربرت بلومر على ثلاث مقدمات منطقية هي:

  1. أن الكائنات الإنسانية تسلك إزاء الأشياء في ضوء ما تنطوي عليه هذه الأشياء من معاني ظاهرة.
  2. أن هذه المعاني هي نتاج التفاعل الاجتماعي في المجتمع الإنساني.
  3. أن هذه المعاني تتعدل وتتشكل من خلال عملية التأويل التي يستخدمها كل فرد في تعامله مع الرموز التي تواجهه.

وبناء على هذه المقدمات المنطقية الثلاث يصبح التفاعل الرمزي مخططاً تحليلياً للمجتمع الإنساني يختلف عن بقية المخططات وتتفق معظم مدارس التفاعل الرمزية على التسليم بأن الكائنات الإنسانية أنما تصوغ الواقع الذي يعيش فيه من خلال عملية التفاعل الاجتماعي.

رابعاً: جوانب الاتفاق والاختلاف بين التفاعلية الرمزية وغيرها من متطورات التفاعل الاجتماعي

هناك عدة متطورات تهتم بعملية التفاعل بين الأفراد, منها التفاعلية الرمزية, والمدخل أو النموذج المسرحي, ونظرية الوصم أو العلاقة, والمنظور الانتوميثولوجي, ومنظور التبادل الاجتماعي, وتتفق هذه المتطورات من حيث اهتمامها بتحليل الأنساق أو الوحدات الاجتماعية الصغرى, وذلك على عكس المتطورات التي تهتم بتحليل الأنساق أو الوحدات الاجتماعية الكبرى مثل المنظور الوظيفي ومنظور الصراع.

وتنظر التفاعلية الرمزية إلى السلوك على اعتبار أنه الموضوع الأساسي لعلم الاجتماع, لذلك يهتم أصحاب هذا المنظور بدراسة التفاعل بين الأشخاص والجماعات, مع التركيز على دراسة اتجاهات الأشخاص والمعاني التي يعطيها الناس لسلوكهم وسلوك الآخرين, أي أن هذا المنظور يهتم بدراسة الاتجاه والمعنى, ولذلك فهو يجعل الشخصية أو الذات محور دراسة, كما يهتم بدراسة البناء الاجتماعي, وتشير بعض الافتراضات الرئيسية للتفاعلية الرمزية إلى أن الإنسان قادر على تحسين ذاته وأن الإنسان يقوم بصياغة وتشكيل الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه من خلال عملية التفاعلي الاجتماعي, وعن طريق استخدام الرموز مثل اللغة, وتتفق منظورات التفاعل الاجتماعي من حيث أن الناس لا يستجيبوا مباشرة للأشياء المادية, إلا أنهم يستجيبون لتفسيراتهم الخاصة حول هذه الأشياء المادية كما أن الناس يضعوا تفسيرات باستمرار حول العالم بوجه عام وحول الناس الآخرين, وحول أنفسهم, ثم يتصرفون طبقاًً لهذه التفسيرات, لذلك يعد السلوك الإنساني سلوكا ًمرناً وفي تغير مستمر, إذ تتغير طريقة تصرفنا بشكل مستمر طبقاً لكيفية تفسيرنا لتصرفات الآخرين ورد فعلهم نحو سلوكنا الخاص.

المراجع

* علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية،أحمد زايد ، القاهرة، دار المعارف، 1981 ص 456.

* القانون والضوابط الاجتماعية، مدخل علم الاجتماع، سامية محمد جابر ،  إلى فهم التوازن في المجتمع، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1982 ص 402-404.

* مجالات علم الاجتماع المعاصر ، محمد عاطف غيث وآخرون ، أسس نظرية ودراسات واقعبة ، الاسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 1982 ، ص 71 .

 

Rajaa Al Bawabiji

باحثة إجتماعية حاصلة على شهادة الدكتوراة في الفلسفة في علم الإجتماع ومحامية نظامية وشرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق