حقوق الإنسان في حياتنا

حقوق الانسان والاتجاه البنائي

قام بعض العلماء المهتمون بتفسير وتحليل ثقافة المجتمعات إلى أفكار تختلف عن مبادىء وطروحات أصحاب المدرسة الوظيفية والتطورية المحدثة ، وسيتم البحث في هذه النظرية للكشف عن مبادئها ومعالجتها للثقافة .

فكرة البناء أو البنية 

   (يرى أنصار الاتجاه البنائي إلى أنّ البناء الاجتماعي هو : صفة الظاهرة الاجتماعية باعتبارها مشتملة على نوع من النظام والمعقولية والاستقرار النسبي ويعني ذلك : ” مجموعة العناصر المكونة بالضرورة للظاهرة المعطاة حسب العلاقات الضرورية بين هذه العناصر “) (1).

مثال ذلك : المجتمع السياسي لايفهم إلا بأرض معينة وشعب وفئات وجماعات وسلطة وثقافة … ، وكل عنصر له بناؤه الخاص وبينهم علاقات ، والنسق هو : تنظيم فقط بين العناصر ، والثبات نسبي  إذا ننظر للبناء مبدأ للظاهرة الاجتماعية مستتر ولا شعوري وثابت ، وتهدف لتفسير الواقع المعاش .

هناك تناقض فالعلاقات بين الظاهر تعود للوظيفة والبناء تكوين لعناصر وليس صفة .

تفسير أسبقية البناء على الجانب الاجتماعي 

(إنّ البناءات لها وجود خارجي ومصدر للعلاقات المرئية وهي صادرة عن العقل أو عن نفس إنسانية هويتها غير متغيرة ومن هنا الأسبقية للبناءات على الجانب الاجتماعي) (2) .

     يتبين مما سبق أنّ أنصار المدرسة البنائية يذهبون في تحليلهم للبناء الاجتماعي إلى غير المحسوس أو إلى الجانب المعنوي منه ، بينما يبتعدون عن الجوانب المادية ومدلولاتها .

      سوف يتم البحث في آراء وأفكار أنصار هذه المدرسة لتوضيح مبادئها والأفكار التي بنيت عليها. 

أولاً : كلود ليفي ستروس 

  1. عبد الوهاب جعفر ، ( البنيوية في الأنثروبولوجيا وموقف سارتر منها ، دار المعارف ، القاهرة ، (1980) ، ص (44).

(2) – عبد الوهاب ، ص (46).

         هو سيد الاتجاه البنائي في فرنسا ، رغم ظهورها على يد علماء اللغة ، (له كتاب (الآفاق الحزينة ) ، وكان الاهتمام بالإجابة على سؤال هو: لماذا كانت الحياة الاجتماعية على الصورة التي هي عليها ، وأجابت الأنثروبولوجيا البنيوية : إنّ هذه الصورة نتيجة ضرورية للتركيب اللاشعوري للإنسان) (1)

درس القانون والفلسفة ، ثم تحرك إلى علم الاجتماع ، وكان مدرساً ولجأ لأمريكا وقام بدراسات ميدانية . 

(ساهم ليفي في تطوير النظرية البنيوية كمنهج للعلوم الاجتماعية والإنسانيات ، اكتشف ( من خلال تطويره لمعان معقدة عبر تحليل الإبداعات الثقافية للشعوب التي تعرف الكتابة ) ، منى ضمنية للتفكير عملت على تمييز البنى الأساسية للذهنية البشرية) (2)  . 

إن البنائية عند ليفي منهجية تبحث (عن تفسير نسق العلاقات والتفاعلات الاجتماعية الظاهرية في بناء مستتر يسمح بتفسير استنباطي ، وذلك بتكوين نماذج منطقية رياضية ، فالبناء في هذه الحالة لايدخل ضمن نطاق الظواهر الملاحظة ( المدركة ) ، بل يظل لاشعورياً لدى أفراد الجماعة المدروسة وينبغي أن يركب استنباطياً ( كالفيزياء ) ، وهو لايمكن أن يلاحظ كظاهرة في المجتمع) (3)

(إن هذا التفسير يقوم على اللامحسوس ، وقد يصدق في العلاقات بين الأفراد ولكن ليس بمعزل عن الظاهرات الأخرى ، مثال ( العادات والتقاليد ) وتفسيرها .أمّا ظاهرة الأدوار قد يفسر جزء منها).

إذ يخرج ليفي عن التفسير التاريخي والمعلومات السطحية للوظيفيين ،وذلك لاعتماده على قواعد السلوك الاجتماعي الممنطق ، لكنّه يهمل التاريخ والوظيفة ونشاط الموضوع ولا يخلو في معالجته من الجدلية (4).

1 – منهجية ليفي :

(1) -عبد الوهاب جعفر ، ( البنيوية في الأنثروبولوجيا وموقف سارتر منها ) دار المعارف ، القاهرة ، (1980) ،   ص (87) .

(2) – ترجمة الياس فركوح ، ” غرف بلا جدران أو ماهذا البيت المشترك ” ، إصدار ثاني ، دار أزمنة للنشر والتوزيع ، عمان ، (2000) . ص (151).

(3) – عبد الوهاب ، ص (41) .

(4)– الياس فركوح ، ص (41) .

        اعتمد ليفي على أن المنهج (هو تركيبي ويعتبر تجسيداً للاعتقاد بثبات الطبيعة البشرية ، وهو منهج استنباطي ، وقد فصل بين النشاط العقلي للفرد وبين التنظيم الفعلي القائم للمجتمع أي أنّ النشاط العقلي للفرد ليس انعكاساً للتنظيم) (1) .

         وقد استخدم ليفي اللغة والرموز والعلاقات الاجتماعية المبادلة والمتماثلة كأساس لتعبير عن مفهوم الفاعلية المستمرة في نسج العلائق الاجتماعية ، ليتمكن المجتمع من إنشاء هيكله ، ثم عرضه في مكان آخر على أنّه ” المستوى العقلي لمجتمع معين بعكس مرحلة تطوره التي يمر بها ” .

2 – مبادىء البنائية عند ليفي :

من المبادىء التي ارتكز ليفي إليها في بنائيته :

المبدأ الأول :

          رفض أسبقية الجانب الاجتماعي على العقلي ، وقد يصدق في ذلك لكن هناك بعض الجوانب الاجتماعية سابقة على الجانب العقلي ومثال على ذلك في الواقع : التغير التقني (استخدام التكنولوجيا) فالتقتيات التكنولوجية توجد أولاً أي هي سابقة على الجانب الاجتماعي ، فهي توجد أولاً فتتغير وظائف الأفراد ثم النشاط العقلي .

المبدأ الثاني :

(العادات والتقاليد معايير خارجية قبل أن يتولد عنها عواطف داخلية ، والسؤال هنا أيهما أسبق ، قد تكون العواطف هي الأسبق ، فالثأر هو جانب عالطفي تتبعه العادة .

المبدأ الثالث :

يقول ليفي : أنّ إدخال التاريخ تغيرات يؤدي إلى أن تكون أمام بناءات تاريخية ، غير أنها لاتؤثر على الجانب العقلي ، و قد يوجه النشاط العقلي بفعل التغيرات التاريخية .

المبدأ الرابع :

يصر ليفي على مبدأ التخلص من التاريخ بعد استخدامه لفحص تكامل العناصر في أي بناء إنساني أو غير إنساني في كتابه ( تفكير الفطرة ) .

المبدأ الخامس :

يقول ليفي في مكتابه ( الطوطمية اليوم ) : أن منطق التضاد والتداعي والتضمن وعدم التضمن

  1. –  مرجع سابق ،  فركوح ، ص (41).

(2) – معن خليل عمر ، ” البناء الاجتماعي ، أنساقه ونظمه “، دار الشروق للنشر والتوزيع ، عمان ، (1999) ، ص (28).

والتوافق وعدم التوافق هذا المنطق هو الذي يفسر قوانين الترابط وليس العكس .

يرى ليفي في الاسطورة أن معناها يكمن في العلاقات الضمنية لجميع عناصرها وليس في عنصر بمفرده ، ولايمكن تحليلها إلا بالتحليل البنيوي) (1) .

    يتبين مماذهب إليه ليفي أنّ مبادىء النظرية البنائية تقوم على الفلسفة والمنطق ، وهذا لايذهب روح المعنى بل يؤطره ويضعه في نصابه الصحيح ، فالبناء الاجتماعي إن تم تفسيره دون أن يقبله العقل ، فإنه لن يتم الوصول إلى نتائج معقولة وقريبة من الحقيقة .  

3 – كيف توجد البناءات :

(إن البناء عند أنصار هذا الاتجاه هو (نفسه المضمون الذي نأسسه كتنظيم منطقي من أساسيات الواقع ، ولاتوجد صور أو محتويات بمعنى مطلق كما هو في الرياضيات : كل صورة هي مضمون بالنسبة للصور التي تحتويها وكل مضمون هو صورة بالنسبة لما يتضمنه .

(وإنّ البناءات الحقيقية تظهر على أنها صور الصور ، أي أن هناك عملية تكوين عامة هي التي تحول الصور إلى بناءات وهي التي تتضمن الانضباط الذاتي ، ومثال على ذلك : ألوان الطيف ا: العلاقات بين البناء الطبيعي للعلاقات الموجودة بين ألوان الطيف ، هو نفسه البناء المنطقي للعلاقات الموجودة بن مدلولاتها الثقافية ، والتفسير لهذا : الطيف ألوان من بنفسجي لأحمر ماراً بالأخضر والأصفر ( هو كل متصل ) ، والمخ يميز الكل إلى أجزاء ، فندرك أنها ألوان مختلفة أصلاً .

الاتصال الطبيعي بينها لأن مل منها ضد الآخر : الأصفر ضد الأحمر ، الأبيض ضد الأسود … ، إذا

كان الأحمر رمز الخطر في جميع الثقافات فلأنه يرتبط بصورة الدم ، والأصفر بين بين ، ( ربط

ذلك بعبارات ( تقدم ، استعد ، قف ) ، هذا نفس البناء والعلاقات الضوئية نتاج ثقافي والتكامل بين الصورة والمضمون)(1)

وقد بنى ليفي على ذلك مايلي :

  • (إن البناءات تكشف عن الجهاز الداخلي والحال للجانب الموضوعي ، يعني أنه يقوم على علاقات بين الأضداد  صراع ، مبارزة ) .

(1) – الياس فركوح ، ص (42).

  • هناك اعتراف منه بتأثير الأنماط ببعضها البعض وهرميتها ( ترتيب التراتب ) ، والتطبيق في الواقع : الأنثروبولوجي يكشف عن مجموعة بناءات في المجتمع تنتمي إلى أنماط نسق القرابة ، ينظم الأفراد بقواعد ، أما التنظيم الاجتماعي له قواعد أخرى ، لكن تنظيم بالكشف عن العلاقاتة بينها) (2) .

4 – الأنماط عند ليفي :

  • 1 – (نمط المعاش : تتصل بالواقع الموضوعي يمكن التعرض لها من الخارج .
  • 2 – البناءات من النمط التصوري : تكشف لنا الطريقة التي يحاول بها المجتمع أن يضمن الانسجام بين بناءاته في كل النظم ، ولا تتصل بأي واقع موضوعي ، وإنما تتصل بمجالي الأسطوري والديانة ، وتقيم بالاستعانة بنمط المعاش) (2)

5 – الأنموذج 

يقول ليفي : ” يتدخل العقل الإنساني ويجرد لكي يفهم بمعنى تبسيط الواقع بهدف معرفة ( الأنموذج)  ، وهو مركب بواسطة النفس أي بنائي ، وهناك علاقة بين الأنموذج والبناء جدلية ، وهما متكاملان في حركة دائبة صاعدة وهابطة من التجربة إلى النماذج ، ثم إلى البناءات . (4) .

   يتبين مما سبق أن ليفي يدخل العمليات العقلية في تحليله للبناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية ، ويضيف بذلك إلى المدارس الثقافية نظرية قائمة بذاتها لها منهجية خاصة بها يمكن الاستناد إليها في تفسير وصول الثقافة على هيئتها الحالية التي وصلت إلى عصره وربما إلى عصرنا هذا ، لأنها تعتمد المنطق .

ومما سبق قد لاتُفسّر هذه النظريات واقع المجتمعات كونها تذهب لما وراء الواقع والحقائق وبالتالي قد تُفسّر مرجعيات أدبيات حقوق الانسان، وإعمال حقوق الانسان عملية تطبيقية في الممارسات وليست تصورية ، وإن لم تفسّرها لايمكن وضع حلول لإشكاليات انتهاكات حقوق الانسان.

(1) – حسين عبد الحميد أحمد رشوان ، ” الأنثوبولوجيا في المجال النظري ” ، المكتب الجامعي الحديث ، الاسكندرية ، (1988) ، ص (50).

      (2) – المرجع السابق ، رشوان ، ص (52).

      (3) – مرجع سابق ، رشوان ، ص (52).

     (4) – المرجع السابق ، رشوان ، ص (53) .

Rajaa Al Bawabiji

باحثة إجتماعية حاصلة على شهادة الدكتوراة في الفلسفة في علم الإجتماع ومحامية نظامية وشرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق