حقوق الإنسان في حياتنا

حقوق الإنسان والنظرية التطورية المحدثة

قد ترتبط التفسيرات التطورية المحدثة بواقع حقوق الانسان وحقوقه البيئة والمدنية والسياسية بشكل أو بآخر، سيما ربطت التفسيرات بالعوامل التكنولوجية وهي أساس التغير الاجتماعي في هذا الواقع الحديث ، فقد ظهر في نهاية النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن العشرين ، عدد من الأنثروبولوجيين الذين بدأوا يضعون نظرية خاصه لدراسة المجتمعات الانسانية ومراحل تطورها وموقع التغيير الثقافي في ذلك . وكان من أبرز هؤلاء ، عالم الآثار الانكليزي _ جوردن تشايلد –  والأمريكيان : جوليان ستيوارد وليزي هوايت – الذين دعا إلى دعم استخدام النظم الأوروبية كأساس لقياس التطور ، وضرورة إيجاد محكات أخرى يمكن قياسها وتقليل الأحكام التقديرية بشأنها . فقد أكد / هوايت / في كتابه ” علم الثقافه ” المنشور عام (1949) ، أنه من المهم ألا تقتصر النظرية التطورية على تحديد مراحل معينة لتسلسل النمو الثقافي ، وإنما لا بد من غبراز العامل أو العوامل التي تحدد هذا التطور . ويمثل عامل ” الطاقه ” في رأيه ، المحك الرئيس لتقدم الشعوب . أي أن المضمون التكنولوجي في ثقافه ما ، يحدد كيانها الاجتماعي واتجاهاتها الإيدولوجية ، وقد انقسم هذا الاتجاه الثقافي التطوري ، غلى ثلاث مدارس تنادي كل منها بمجموعة من القضايا العامة :

المدرسة الأولى : تأخذ بالمسلمة القائلة بأن التاريخ إنما يتجه في تتابع وحيد حين تتطور النظم والعقائد ، استناداً غلى مبدأ الوحدة السيكولوجية لبني البشر “. ومن هنا تتطور الثقافة في العالم الإنساني ، حيث تتشابه الظروف العقلية والتاريخية .

المدرسة الثانية : تأخذ بالمنهج المقارن حين تعالج هذا التتابع التطوري للنظم والمعتقدات الإنسانية ، بعقد المقارنات المنهجية المنظمة بين الشعوب والثقافات ، وفي سائر المراحل المبكرة لأطوار الثقافة ، بحثاً عن المصادر الأثنولوجية للسمات الثقافية .

المدرسة الثالثة : تأخذ بفكرة البقايا أو المخلفات والرواسب الثقافية ، على اعتبار أن هذه البقايا القائمة في المجتمع ، إنما هي شواهد من الناحية المنطقية ، وإن المجتمع قد مر في مراحل أقل تطورا ومراحل أكثر تركيبا وتطورا .

وقد مهدت أفكار التطورية الجديدة ، غلى نشوء تخصص أثنولوجي جديد يبحث في العلاقات المتبادلة بين البيئة الطبيعية والثقافية ، وعرف فيما بعد باسم الأيكولوجيا الثقافية (( cultural Ecology )) ، والتي تستند الى النظرية البيئية التي يعود تاريخها الى هيبوقراط اليوناني ، ومن ثم إلى مونتسيكو الذي وضع أسس هذه النظرية ( المدرسة ) والتي يتبعها بعض علماء الأنثروبولوجيا في العصر الحديث ،  وتتلخص آراء هذه المدرسة : بأن العوامل الطبيعية للمنطقة ، ولا سيما الظروف المناخية قد كونت المظهر الخارجي للأفراد ، وعينت طراز حياتهم . وقضت على كل فرد لا يملك الصفات التي تتفق و تلك البيئة ويعتمد الإيكولوجيون الثقافيون في تفسير التباين بين الثقافات الشعوب المختلفة ، على ظاهرة التنوع البيئي كما يهتمون بالكشف عن كيفية تأثير الثقافة مع ما يحدث في البيئة من تغيرات جذرية ، على تكيف الفرد وتفاعله الاجتماعي(freidle ,1977 , p 307 ) ، وتتلخص وجهة نظرهم هذه ، في جملة ( التأثير القوي / الطاغي للبيئة ) ، وأن أثر البيئة كبير على الثقافة في مجالات كثيرة . ويستشهدون على ذلك ، بسكان الأسكيمو وسكان أوستراليا الأصليين ، وتأثير ثقافة كل من هذه الشعوب بالبيئة المحيطة . ولكن ثمة معارضون في العصر الحديث لهذه النظرية ، لأنهم يرون أن كثيراً من البيئات المتشابهة ، تضم ثقافات وحضارات مختلفة .

وهكذا بدأت الأنثروبولوجيا تأخذ مسار جديد لتأكيد النسبية الثقافية والاتجاه العلمي / الموضوعي في الدراسات الأنثروبلوجية ، حيث بذلت محاولات جادة للنظر إلى الثقافة من خلال مفاهيم أفراد المجتمع وتصوراتهم ، وليس من منطلق الباحث الأنثولوجي ونظرته الخاصة .

وكان من نتيجة ذلك ، ظهور أربعة اتجاهات في الدراسة الأثنولوجية ، استمرت حتى نهاية السبعينيات من القرن العشرين ، وقد استطاع الأنثروبولوجيون بعدها أن يوحدوا اهتماماتهم ويوجهوا دراساتهم الاجتماعية / الثقافية ، من  أجل تحرير الإنسان وتقدمه وفيما يلي عرض موجز لهذه الاتجاهات الأربعة :

  1. الاتجاه التغييري الموجه :

بعد تلاشي الاستعمار وحصول معظم المجتمعات المستعمرة على استقلالها ، قل اهتمام الأنثروبولوجيين بدراسة عملية المثاقفة ، واتجهوا الى دراسة طبيعية التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن استخدام التكنولوجيا الغربية الحديثة إلى المجتمعات التي خضعت الى الاستعمار ، بقصد تنميتها وتطويرها . وشجعتهم على ذلك ، الحكومات الغربية المنتجة لهذه التكنولوجيا ، والهادفة من ورائها الى تحقيق تغيرات أيدولوجية معينة / سياسية وثقافية واجتماعية .

لقد أعطت الظروف السياسية الجديدة ، دفعة كبيرة لدراسة حركية التغييرات الناجمة عن عمليات نقل التكنولوجية الحديثة إلى الثقافات التقليدية في المجتمعات المتخلفة .

وقد قدم العالم الانثروبولوجي الأمريكي جورج فوستر في كتابه ” الثقافات التقليدية والتغيير التكنولوجي – عام 1963″ تحليلاً للعوامل التي تساعد في قبول التغيير ، والعوامل التي تحبطه ، وركز في مناقشة هذه العوامل على المضمونات الاقتصادية والثقافية والنفسية .

   إلا أن الأهداف التي كانت وراء نقل التكنولوجيا إلى المجتمعات التقليدية تحت مصطلح ” التنمية ” ، أثارت الكثير من القضايا الأخلاقية ، ولاسيما تلك الأضرار التي قد تصيب الإنسان وبيئته ، وذلك بسبب عدم  حاجة المجتمعات النامية إلى هذه التكنولوجيا ، أو عدم مناسبة استخدامها في تلك المجتمعات .

    وعلى الرغم من ذلك ، فقد كان لهذا الاتجاه أثر كبير وواضح في الأنثروبولوجيا التطبيقية .

2 – الاتجاه التطبيقي :

أدى تنامي الاتجاهات التحررية في الفكر الأنثروبولوجي في الستينات والسبعينات من القرن العشرين إلى تراجع توظيف الأثنولوجيا لخدمة الأهداف السياسية ، أياً كانت طبيعة دراستها وأنواعها . ونشأ بدلاً من ذلك تخصص جديد يعرف بـ ” الأننثروبولوجيا التنموية ” ، حيث يقوم الباحثون الأنثروبولوجيون بتقديم خبراتهم المعرفية / النظرية والميدانية / التطبيقية ، في خدمة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية . أي أنّ نتائج الدراسات الأنثروبولوجية التطبيقية ، أصبحت لخدمة الدول النامي في عمليات التغيير التنموي المخطط .

      واستناداً إلى ذلك أصبحت مسألة استخدام المعرفة الأنثروبولوجية ( إيجابياً او سلبياً ) من القضايا الهامة التي أثارت اهتمام الباحثين والمسؤولين على حد سواء . وهذا مادفع الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية إلى تشكيل لجنة في عام (1986) ، لبحث المسؤوليات الأخلاقية التي يجب أن يتحملها الباحثون الأنثروبولوجيون تجاه المجتمعات التي بقومون بدراستها ، ولاسيما تلك المصلحة التي تستخدم نتائج البحوث الأنثروبولوجيا من أجلها .

     وانتهى ذلك بإصدار بيان ” وثيقة الأخلاقيات الأنثروبولوجية ” عام (1973) ، حددت بموجبها علاقة الأتنثروبولوجيين بالأفراد ( الجماعات ) المدروسين من جهة ، ومسؤولياتهم تجاه الدول في المجتمعات المضيفة من جهة أخرى . وهذا كله يدخل تحت مسؤوليات الباحث الأنثروبولوجي ، ولاسيما المادة المهنية والأخلاقية ، وحماية الأفراد الذين يتعامل معهم ، وكان من نتيجة ذلك ظهور ثلاثة اتجاهات فرعية بشأن إجراء الدراسات الأنثروبولوجية واستخداماتها

1 – الاتجاه الأول :

ذو نزعة تقليدية يرى أن القيم العامة والسياسة لاعلاقة لهما بالعلوم الاجتماعية وما على الباحث الأنثروبولوجي إلا تقديم الحقائق التي يحصل عليها كما هي ومن دون الاهتمام بنتائجها ، على اعتبار أنّ العلم منفصل عن القيم الأخلاقية .

2 – الاتجاه الثاني :

ركّز على فكرة مبدأ النسبية الثقافية الذي يتناول في جوهره مشكلة طبيعية ودور القيم في الثقافة  ويمثل معالجة علمية استقرائية لمشكلة فلسفية قديمة مستخدماً معطيات حديثة عن شعوب عديدة لم تكن في متناول الباحثين ، وهي مستمدة من دراسة أنظمة القيم في مجتمعات ذات عادات وتقاليد وأعراف مختلفة .

ويعبر عن مبدأ النسبية الثقافية : أن الأحكام تبنى على التجربة ويفسر كل فرد التجربة حسب ثقافته الخاصة ، ومثال على ذلك قول الهنود أن الاتجاهات ستة وليست أربعة وذلك انطلاقاً من أن الكون ثلاثي الأبعاد.

3 – الاتجاه الثالث :

يرى أنصار هذا الاتجاه أنه يتوجب على الباحث الأنثروبولوجي أن يتخذ موقفاً ايديولوجياً محدداً قبل القيام بالدراسة ، وقد أكدت الأنثروبولوجية البريطانية في كتابها : ثورة العالم وعلم الإنسان ” عام (1986) ، أن على الأنثروبولوجيين أن يحددوا موقفهم تجاه أمرين : إمّا خدمة الاستعمار أو مناهضته وذلك من خلال تبني أيديولوجية غربية واضحة المبادىء والأهداف ولاسيما تجاه مصالح المجتمعات النامية ، وغذا كانت الثقافات تقيّم أحياناً بعبارتي ( متمدن وبدائي) ، فإنّ هاتين العبارتين بسيطتان بساطة خادعة ، إذ دلت المحاولات على جود صعوبات غير متوقعة لتحديد الفرق بينهما ، فكلمة بدائي : هي وصف للشعوب التي جرى التقليد على أن يهتم بها غالباً علم الأنثروبولوجيا ، ويؤثّر المفهوم في الكثير من الأحكام على طرائق الشعوب وتدل على آثار الماضي التي يكشف عنها التنقيب في الأرض ، وأن التبدل المستمر البطيء هو القاعدة العامة . وبالتالي فإنه ما من شعب حي يعيش اليوم كما كان يعيش أجداده .

منتدى الطالب الجامعي / كلية العلوم الاجتماعية والنفسية / قسم الأبحاث والمحاضرات / عيسى الشماس ( الأنثروبولوجيا وعلاقتها بالعلوم الأخرى ) hakimzike

Rajaa Al Bawabiji

باحثة إجتماعية حاصلة على شهادة الدكتوراة في الفلسفة في علم الإجتماع ومحامية نظامية وشرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق